السيد كمال الحيدري

116

أصول التفسير والتأويل

التحدّى بحديث يماثل القرآن وإن كان دون السورة « 1 » .

--> ( 1 ) ذكر جملة من أعلام المفسّرين إشكالًا في المقام مفاده : أنّه تعالى قد تحدّى بمثل قوله : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ( الطور : 34 ) وقوله : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ الله ( يونس : 38 ) ، وقد ثبت في محلّه أنّ سورة يونس قبل سورة هود في ترتيب النزول ، ثمّ بقوله : فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ( هود : 13 ) . فلو كانت جهة الإعجاز هي البلاغة خاصّة ، لكانت هذه التحدّيات خارجة عن النظم الطبيعي ؛ إذ لا يصحّ أن يكلّف البلغاء من العرب المنكرين لكون القرآن من عند الله بإتيان مثل سورة منه ، ثمّ بعده بإتيان عشر سور مفتريات ، بل مقتضى الطبع أن يتحدّى بتكليفهم بإتيان مثل القرآن أجمع ، فإن عجزوا فبإتيان عشر سور مثله مفتريات ، فإن عجزوا فبإتيان سورة مثله . وقد ذكرت في كلماتهم وجوهٌ للتفصّى ، من أهمّها : « إنّ جهات القرآن وشؤونه التي تتقوّم به حقيقته وهو كتاب إلهي ، مضافاً إلى ما في لفظه من الفصاحة وفى نظمه من البلاغة ، إنّما ترجع إلى معانيه ومقاصده ، لست أعنى من المعنى ما يقصده علماء البلاغة من قولهم : إنّ البلاغة من صفات المعنى ، والألفاظ مطروحة في الطريق ، يعنون به المفاهيم من جهة ترتّبها الطبعي في الذهن . فإنّ الذي يعنون به من المعنى موجود في الكذب الصريح من الكلام وفى الهزل وفى الفحش والهجو والفرْية إذا جرت على أسلوب البلاغة ، ويوجد في الكلام الموروث من البلغاء نظماً ونثراً شئ كثير من هذه الأمور . بل المراد من معنى القرآن ومقصده ما يصفه تعالى بأنّه : كتاب حكيم ، ونور مبين ، وقرآن عظيم ، وفرقان وهادٍ يهدى إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم ، وقول فصل وليس بالهزل ، وكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وذكر ، وأنّه يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وأنّه شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلّا خساراً ، وأنّه تبيان لكلّ شئ ، ولا يمسّه إلّا المطهّرون . فمن البيّن أنّ هذه كلّها صفات لمعنى القرآن ، وليست صفات لما يقصده علماء البلاغة بالمعنى البليغ الذي ربما يشتمل عليه الباطل من الكلام الذي سمّاه القرآن الكريم لغواً من القول وإثماً وينهى الإنسان عن تعاطيه والتفوّه به وإن كان بليغاً ، بل